02 يناير 2026
تسجيلكلما شَرُف الزمان والمكان شَرُفت فيه الأعمال الصالحة والأقوال الطيبة، فالصدقة في رمضان أفضل من غيره من الشهور، والعطاء بشتَّى طُرقه وأنواعه أفضل فيه وأعلى ثوابًا من غيره من شهور العام. حقًّا إنها فرصة للبذل والعطاء بكل ما استطعت من مال وطعام وجهد، ولو ببسمةِ ثَغرٍ نويت بها الخيرَ. ولنتعلم من رسولنا الكريم فقد جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ — صلى الله عليه وسلم — أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ — صلى الله عليه وسلم — أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». ومظاهر الجود والبذل في شهر رمضان كثيرة منها المادية ومنها المعنوية والآن أخي الكريم سأعدد لك مظاهر البذل هذه: 1 — البذل للفقراء والمساكين: الصدقة الصدقة يا إخواني، فلو علمت ما تفعله الصدقة وما يجزي الله به المتصدق لما أَبقيْتَ معكَ قرشًا لغدٍ إلا تصدقت به، فالصدقة تطفئ غضبَ الله سبحانه وتعالى، كما في قوله — صلى الله عليه وسلم —: «إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ»، لك أن تتخيل أن غضب الله سبحانه وتعالى يزول بالصدقة، الله أكبر! وما بالك أنك تتصدق في شهر رمضان الله يضاعف الثواب، أنفقوا وتصدقوا ولتتخيروا المسكين والفقير الذي حُرِم طعامًا نظيفًا أو لباسًا غير مهلهل، اذهب له واعطف عليه بكل حب وود وأنت مبتسم الوجه رقيق المشاعر، وأعطِهِ من أفضل ما عندك وأفضل ما أحببتَ، فيرزقك الله البرَّ وخير الثواب، وذلك هو ما حثنا ربنا عليه في قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ. 2 — البذل على اليتيم اليتيم إنسان يحتاج مَن يقف بجانبه يعاونه ويساعده، على فقد أبويه، ويمسح عنه الحزن والألم، ولا يُشعِره بالمِنَّة والتفضُّلِ بل كأنه أخوه وأخته وابنه وابنتها، فأشار رسولنا الكريم إلى ذلك، وبيَّن فضل كفالة اليتيم والتصدق عليه فقال — صلى الله عليه وسلم —: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. أما يكفي أجرًا مرافقة رسول الله — صلى الله عليه وسلم — في الجنة، والله لَنِعم أجرٌ هو. وإذا ما استطعت إنفاق المال فلك أجر الرحمة بهم، ورِقَّة القلب لهم، انظروا إلى ذلك الكرم في قول رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: «مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ»… لك أن تتخيل مجرد أن تمسح على رأس اليتيم لك بعدد شعر رأسه حسنات، الله أكبر! انهضوا إخواني واقتربوا من كل يتيم واذهبوا إليهم في الهيئات المخصصة لهم، قوموا بعمل إفطار لهم، واجلسوا معهم، وأفطروا معهم، وامسحوا على رؤوسهم، انشروا لهم البهجة، تحدثوا معهم، تفقدوا ما عندهم من مطالب، واسعوا في قضائها. 3 — السعي على الأرامل فالأرملة هي المرأة إذا مات زوجها، وسميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج، والساعي عليها من يقوم بما يصلحها ويحفظها ويصونها عن المسألة والابتذال، وقد أشار رسولنا الكريم — صلى الله عليه وسلم — عن فضل قضاء حوائج الأرامل والبذل في سبيلهن حيث قال: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ». قد جعل ثوابه كثواب المجاهد في سبيل الله أو القائم طوال الليل يعبد الله وصائم نهاره. لك أن تدرك عِظَم الأجر، هيا انهضوا واسعوا في قضاء حوائجهن، وأنفقوا وتصدقوا عليهن، فإن علمتَ بأرملة لها أولاد هي التي ستشقى بهم لقضاء حوائجهم فانهض واعطها ما استطعت فهي في أشد الحاجة لا محالة، ولا سيما إن كانت من الفقراء والمساكين، إن كانت لها بنات وتسعى في زواجهن فبادر بتجهيزهن وادخل السرور إلى قلبها وقلوب بناتها، فسيدخر لك الله الأجر الوفير في الدنيا والآخرة، فلا تبخل ولا تُعرِض. 4 — البذل بالنفس فإن لم تستطع كل ذلك وتقول يا رب ما عندي شيء لأتصدق به ما عندي ما أنفقه، فلا تجلس مكتوف الأيدي، فلا والله إن ربك جواد كريم فاق جوده وكرمه وعطاؤه حدود التخيل. فلك أن تبذل نفسك بجهدك في عبادة الله، فقم الليل، وصل ركعات طوال، وادعُ ربك عسى أن تصيبك رحمته فلا تشقى أبدًا، ابذل نفسك في قراءة كتاب الله، اختمه في الشهر المبارك مرات ومرات، اجمع أطفال أسرتك وعائلتك وشارعك واجتمع بهم كل يوم بعد صلاة العصر وعلمهم القرآن، واجعلهم يتنافسون في حفظه، لك أن تتخيل بكل حرف لك أجر، وكل ما علمته لأحد لك أجر كل ما قرأه، وفي رمضان يتضاعف الأجر. جبال من الحسنات فرصة لا عوض لها، سارع في البذل والعطاء، فلا تعلم أين ومتى سينتهي بك الأجر؟ فاعمل في كل دقيقة في العمر ولا تضيعها واغتنم فرصة الشهر الكريم.