02 يناير 2026

تسجيل

مراتب الصيام

20 مايو 2018

أعظم فريضة فرضها الله تعالى في شهر رمضان هي فريضة الصوم، والصوم: هو الامتناع عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى أذان المغرب. هذا ما يعرفه معظم الناس عن الصيام، وهذا ما نعلّمه لأطفالنا حتى يكبروا وينشأوا على هذا المفهوم للصيام. صحيح فالصيام أن يمتنع المسلم عن طعامه وشرابه تلك الفترة المحددة، ومن أذان المغرب يبدأ، يتناول كل ما شاء، ولكن هل فكرت بعقلك يوما أن فريضة الصوم هي تطبيق لذلك الأمر لمدة ثلاثين يوما فحسب؟! إذا كان الأمر من الصيام هو صيام معدتك، فربما كان الأمر طبيعيًّا لكثير من الناس، فمنا من يسير على نظام لإنقاص الوزن ويمتنع عن الطعام لفترات طويلة أو ربما كان فقيرا ليس عنده من الطعام والشراب ما يأكله لفترات طويلة. فتخيل معي إن كان المتحصل منه في صيامك هو جوعك وضيق صدرك بذلك الجوع والعطش والإجهاد. إن الله حكيم وشرع من كل شيء حكمة بالغة، فلم يكن الصوم للجوع، ولكن كان الصوم حفاظًا على سائر أعضاء الإنسان من الوقوع فيما يُغضِب الله تعالى. فالصيام إخواني يجب أن تدركوا أنه مراتب ودرجات متعددة، لا يدركها كل الناس ويطبقها أو لا ينوي النية لها. فالمرتبة الأولى: هي صوم البطن عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، وصيام الفرج عن الشهوة في نهار رمضان، وذلك ما نعرفه جميعًا. أما عن المرتبة الثانية وهي الأعلى في تطبيق العبادة، هي صيام اللسان وصيام العين وصيام اليد والقدم وصيام الأذن وسائر أعضاء البدن عما يغضب الله تعالى. وهو ما يطلق عليه صيام الجوارح. فكثير منا يصوم ويكثر غضبه في الصيام فيطلق لسانه انطلاق الصواريخ والمدافع بأقبح الكلام وأسوء ما يتلفظ به المرء، فيسب ويشتم طوال نهاره، ويعتقد أنه يؤدي فريضة الصيام كما شرعها الله تعالى. وللأسف تكثر تلك الظواهر في الشهر الكريم فنجد الشباب وربما كبار السن يثورون على أتفه الأسباب، وتكثر المشاجرات بالشوارع، وتتلاقى الشتائم بينهم وربما تطاول كل منهما فتشاجرا يدا بيد، أو أخرجا سلاحا وغيره من فتن النفس الأمارة بالسوء. والغريب أنه يتعلل ويتسبب بصيامه الذي جعله متعصبًا. اتق الله أخي الكريم واحفظ نفسك ولسانك، فاللسان يجب عليه الصيام من كل قول قبيح وعليه ألا يُطلَق إلا بكل خير وحميد. فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». ولتعلموا أن القول القبيح في صيام رمضان ليس السب والشتائم فقط، فهناك النمام الذي يتحدث بالنميمة، وهناك الغيبة. وكذلك صيام العين، "فالعين تزني وزناها النظر" فلا تطلق عينك محدقة في كل شيء حلال أو حرام، فاحفظ بصرك من النظر إلى ما حرم الله، فإذا كنتَ سائرًا في الشارع فلا تتلفت للنساء وتتابعهن، وإن كنتَ في البيت فلا تجلس محدقا في التلفاز وما به من مسلسلات لا يُحمَد ما بها على الإطلاق، وتظن في النهاية أنك تؤدي فريضة الصيام. فقد قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ أَثَابَهُ جَلَّ وَعَزَّ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ». حديث صحيح الإسناد. أما عن صيام الأذن، فهو حفظ وكف الأذن من سماع أو الإصغاء لكل ما حرم الله تعالى، ولما في ذلك من خطورة وغضب شديد لله، فقد قرن الله تعالى بين السمع الحرام وأكل السحت، فقال: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. وأخيرا، المرتبة الثالثة من مراتب الصوم وهي المرتبة العليا التي يفوز بها المتقون لله الحافظون لله في قلوبهم وهي صوم القلب. نعم القلب يصوم كسائر أعضاء الجسد وفي صومه بركة وتقوى، وصومه يعني ترفُّعَه عن الأمور الدنيئة الحقيرة وعدم انشغاله بأمور الدنيا وما فيها من لهو وبُعدٍ عن الله عز وجل، وإذا نجح الصائم في الارتقاء لتلك المرتبة فقد حاز الرضى والغفران والرحمة من الله ونجح رمضانه ليعم عليه الرضا والبركة في سائر الشهور والأيام بنفس الروح الرمضانية التي تدرب عليها في ذلك الشهر المبارك. ها قد عرفنا -الآن- أن للصوم مراتب ودرجات متفاوتة أعلاها صيام القلب وسائر الجوارح وأدناها صيام البطن عن الطعام والشراب. هيا تدرجوا في صيامكم ولا تكونوا كمن لا يخرج من صيامه إلا بالجوع والعطش، فتخسرون خسرانا، ولكن صوموا بجوارحكم وقلوبكم تفوزون الفوز العظيم وتربحون في الشهر الكريم وما بعده لتعيشوا عيشة هنيئة طيبة برضا الله والبركة فيها. نسأل الله أن يوفقنا لأعلى مراتب الصيام ويضاعف لنا ولكم الحسنات... اللهم آمين.