02 يناير 2026

تسجيل

أهلًا رمضان

17 مايو 2018

ها هو ذا رمضان قد جاء؛ ليُنير الأرضَ بنوره الوضَّاء، ويعم الخير والبركة، ويغسل قلوبنا من رَانِ الأيام والليالي، ويغلق الفجوات بيننا وبين الله، ويصلنا بالرحمن. ها هي البشائر والرحمات تنزَّلت علينا من السماء تحملها ملائكة الرحمن منيرةً، وها هي روائح النسمات تعطر بيوت الله، فأهلًا ثم أهلًا ومرحبًا يا رمضان! "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ". شهر رمضان أعظم شهور العام؛ لما فيه من خير، وبركة، ومغفرة، ورحمة، ولما فيه من فضلٍ على الشهور الأخرى، فقد بدأ نزول القرآن على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ونزلت معه الرحمة على الخلق أجمعين؛ لتُخرِجَهم من الظلمات إلى النور. رمضان شهر واحد في العام، ثلاثون يومًا فقط، هو ضيف عزيز سريع الخطى، فيه فُرِض الصومُ، وهي من أجمل الفرائض والعبادات وإن شقت على بعض المسلمين، والصوم فُرض لا لمشقة المسلم، ولكن لحكمةٍ أرقَى من أن يدركها قاسي القلب، ألا وهي أنَّ الصّوم عبادةٌ سَلبيَّة؛ ليس فيها فعلٌ، إنَّما فيها ترْكٌ، والتَّرْكُ لا يعلمهُ إلا اللَّه، من هنا سَمَّى بعض العلماء أو بعض الفقهاء هذه العبادة بأنَّها عبادة الإخلاص، يا تُرَى لو أنَّ بلدًا اجتمعَ أطِبَّاؤُه، وأقرُّوا أنَّه لا بدَّ من أن يصوم الناس صيانةً لأجسامهم، وحفظًا لها من الآفات الوبيلة، وهؤلاء الأطباء توصَّلوا إلى استصدار أمرٍ وَضعيٍّ بإلزام الناس بالصِّيام، هل تستطيعُ أيُّ جهةٍ على وَجه الأرض إلزام الناس بالصِّيام؟ قد تمنعُ تناوُل الطَّعام والشراب في الأماكن العامَّة، أو في الأماكن الرَّسميَّة، ولكنْ الإنسان، هل يستطيع أن يصِل إلى خلْوة أخيه الإنسان فيفرض عليه الصَّوم؟ لهذا قالوا: إنَّ الصِّيام عبادة الإخلاص إذا كان الإنسان بين أخذٍ وردٍّ، إذا كان هناك صراعٌ في نفس الإنسان حول إذا ما كان مخلصًا أو غير مخلصٍ، يأتي الصّيام ليؤكِّد له بالدليل القاطع أنَّه مخلص. كما أن الله سبحانه وتعالى فيما يرويه النبي عن ربه يقول: «كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصَّوم فإنَّه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه).  وهذا يعني أن هذه العبادة وحدها من دون العبادات الأخرى هي سِرٌّ بين العبد وربِّه. ليس هذه الحكمة فقط ولكنه شُرع أيضا للتقوى وتَعَلُّمِها والعَملِ بها، كما قال عز وجل: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، والتقوى هي نورٌ يقذفُه الله في القلب، ترى به الخيرَ خيرًا، والشرَّ شرًّا، وهذه التقوى تتحقق بالصيام. شهر الخير والرحمة أرسله الله لنا رحمة بنا ومغفرة لذنوبنا سبحانه جل وعلا، وقد روى أبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». ها هي الفرصة، ها هي الغنيمة التي منحنا الله إياها على طبق من ذهب، ليس لك عذر من وسواس الشيطان، فاعمل واعبد الله حق عبادته، واغتنم قدر ما استطعت من الحسنات والعبادات لتفوز بها في رمضان وتروِّض نفسك على فعلها يعد رمضان. فالله يصلحك بهذا الشهر العظيم ويجدِّد بقلبك الإيمانَ والإسلامَ، فهيا قم وانهض واستقبل ضيفك العزيز أحسن استقبال، وأكرمه كرمًا يليق به. هيا إخوتي فوزوا بوعد الله الذي وعدكم إياه وبلغنا به رسوله الكريم حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وعد من الله سبحانه وتعالى بالمغفرة، الله أكبر! شهر واحد جزاؤه مغفرة ذنوب المرء كلها، أي عطاء هذا!! فعلى العاقل أن يغتنم هذه الفرصة العظيمة في الإقبال على الله، والتوبة من سائر الذنوب، ومراجعة النفس، والحرص على الأعمال الصالحة في هذا الشهر الفضيل، ومن أول ما ينبغي الاعتناء به –بعد صوم الشهر إيمانًا واحتسابًا؛ إيمانًا بفرضيته، واحتسابًا للأجر على ما يُكابِد من مشقة وتعب– أن يواظب على الصلوات الخمس في جماعة إن كان رجلا، وتحرص المرأة على الصلوات الخمس في بيتها أو في المسجد إن تيسر لها ذلك، وأن يؤدي المسلم ما عليه من زكاة المال، وكذا سائر الفرائض التي فرضها الله علينا، كما يجب أن نحرص على بر الوالدين وصلة الرحم، والمحافظة على حقوق الجار، وأن نحسن معاملة الناس جميعًا، ولا نفعل كما يفعل بعض المخطئين حيث يكون سيئ الخلق في نهار رمضان، بحجة أنه صائم، بل ينبغي على المسلم أن يلين جانبه للناس، ويسعى في قضاء مصالح الأرامل والأيتام والمساكين، وأن يُكثِر مِن ذكر الله، ومن أفضل صور الذكر تلاوة القرآن الكريم، يتلوه بالليل في القيام أو من غير قيام، وكذلك يقرؤه بالنهار، فيجمع بالنهار بين الصيام والقرآن لينال شفاعتهما. كما يحرص المسلم على صلاة النوافل وغيرها من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن السنن الثابتة في رمضان صلاة التراويح، وهي قيام ليالي شهر رمضان.