13 يناير 2026
تسجيلالتغافل هو دليل الذكاء، بينما الغفلة هي دليل الغباء والسذاجة، حيث التغافل أنك تترفع لتسامح، وتتناسى وأنت فاهم، يُقال: إن معاوية رضي الله عنه، قال لابنه يزيد وهو يدربه على الحكم: يا بني.. إنما يسود الناسَ الذكيُّ المتغابي، فقد تكون في مجلس من المجالس، وفجأة تمر عليك كلمة تؤلمك من المعارف أو الأقارب، أو موقفٌ من المواقف لم تعرف تفسيره، أو زلة لسان من قريب أو بعيد، فتتضايق من صاحبها، وهنا عليك بالصبر عليها، ولم يكن من الذكاء أن تتصيد الكلمات، وتقف عليها وتحسبها على صاحبها، فلكل منا هنَات وعثرات يقع فيها، لذلك علينا بصرف النظر عن صغائر الأمور واصطياد أخطاء الآخرين، فأحياناً عندما نتجاوز أخطاء الآخر ونتغافل عنها، نحن نرتاح، وهو قد يعمل خط رجعة لمراجعة نفسه، كما يجب علينا ألا نفسرها بسوء بالنوايا، فربما طريقته أو أسلوبه غير جيد، ولكن دواخله غير ذلك، ونبي الله يوسف عندما وجد المتاع في رحل أخيه الصغير، لمزه إخوانه بأن أخوه الكبيره قبله سرق، فأسرَّها يوسف في نفسه ولم يُبدِها لهم، وكان أحمد بن حنبل يقول تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل، فكم يضيع الذين يتصيدون زلات الآخرين، ويعتبرون أنَ هذه الخصلة حميدة! ويكون التغافل أجمل بين الزوجين، لكونهما يعيشان مع بعض تحت سقفٍ واحد، فلنتخيل الزوج الذي يقف تجاه زوجته على أي كلمة تقولها، ويعلق على لبسها وعلى عباراتها وتصرفها، وعلى عطرها، وعلى الكلمة فيحاسبها عليها، ويكون لها بالمرصاد في كل صغيرة وكبيرة، فكيف تكون حياتهما؟ سوف تكون حياة جحيم لا يطيقها الطرف الآخر، والنتيجة انفصال، إن لم يكن طلاقاً عاطفياً، أيضاً يمكننا التغافل مع زملاء العمل، فلقد يخطئ الزميل مع زميله أو يتجاوز حده، أو نجد له زلة لسان، فليس تغافلنا هنا سذاجة، ولكنه نضوج فكري وكمال عقلي، فالشافعي كان يقول في مجالسَ لتلاميذه: الكيس العاقل هو الفطن المتغافل، وأكبر غريمة في التغافل والتغابي، أنك تتجنب معارك كثيرة ومهاترات مع الآخرين، وترتاح منها، ولا داعي للخوض فيها من بدايتها، ففي طفولتنا نتذكر أحياناً، أننا نخاف عندما نخطئ، ولكن يسامحنا الآباء، فنحمد الله كثيراً، غير أنهم على دراية تامة بما نفعله، فيتغابون عن أخطائنا أحياناً، لكنهم يذكرون إيجابيتنا فيسامحوننا، ويؤجلون سلبياتنا إلى وقتٍ لاحق ويراقبوننا. فالإنسان عليه بالوسطية في كل شيء، فليبتعد متغافلاً، وليقترب مراقباً حيناً آخر دون تجسس، وقد تكون أخطاؤنا هي التي تُرِينا أعمال غيرنا خطأ، فلنصلح عيوبَنا وأخطاءَنا قبل أن ننتقد الآخرين، وقد نأخذ انطباعاً عن شخصية بأنها شخصية عدوانية، غير أنها ودودة، فيقع الظلم بالحكم الخاطئ، الذي أصدرناه بسوء الظن. أخيراً لنستفد من محاورة الآخرين، وإن اختلفنا معهم، وعلينا بالتفريق بين وجهات النظر وأصحابها، فليس من العدل أن نبغض أحداً بسبب وجهة نظره الشخصية، أو لمجرد سقوطه في خطأٍ معين، ولنسعد فالسعادة تسمو بأهلها، حيث لا تُوجد سعادة دائمة، ولا حزنٌ باقٍ، فابتسم لأجملها وتجاهل أتعسها، أخيراً لنتغافل عن أخطاء الآخرين، ولنهدِ من حرمونا هدية كي يتقربوا إلينا، فالهدية تُفتت الصخور، ولنكف عن الغيبة والنميمة، حيث إن الغيبة فاكهة الأرذلين، وسلاح العاجزين، ولنسامح لنكن سعداء، فالسعادة تسمو بأهلها، ولنستمع ثم نبتسم ثم نتجاهل، فليس من الضروري أن نأخذ كل شيء بعين الاعتبار.