13 يناير 2026

تسجيل

ما زال طعمُ الحلوَى في فمي

25 فبراير 2015

قد يتضايق البعض حين يسألهم سائلٌ وله حاجة عندهم، وقد يستنكر بعضٌ آخر حين يُقال لهم ان الجزاء من جنسِ العمل، فاعمل صالحاً يُكرمك الله من أجله، كما قد لا يصدق أحدٌ حين يُقال له، انَ الصدقة تتضاعف حين تنفقها بنيةٍ خالصة، فكل شيء بمقدار ولا يظلم ربك أحداً، وما من عملٍ نفعلهُ إلا لدينا رقيب عتيد، فما نعمله من خير نحصده بمشيئة الله تعالى يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، والبصمة الجميلة تبقى وإن غاب صاحبُهَا، حينها سنشعر بقيمة السعادة وسماحة التعامل، حيث السعادة دائماً تبدو ضئيلةعندما نحملها بأيدينا الصغيرة،لكن عندما نتعلم كيف نشارك بها،سندرك كم هي كبيرة وثمينة! فكلما كنت جميل الخلق تهواك القلوب، فأين نحن من التسامح والتنازل عن هنَات الآخرين وزلاتهم؟ وهنا تحضرني مقولة منسوبة إلى غاندي أعجبتني كثيراً وهي: (رماني الناس بالحجارة فجمعتُها وبنيت بيتاً)، هكذا التسامح هو عمل الخير، وفضلهُ يعود علينا بالخير الكثير في الدنيا والآخرة.وتحضرني قصة زنيرة رضي الله عنها، فقد كانت أمةً لدى واحدة من نساء قريش، شرح الله صدر زنيرة للإسلام، فآمنت وشهدت بشهادة الحق، فكانت سيدتها تعذبها وتأمر الجواري أن يضربنَ زنيرة على رأسها، ففعلنَ حتى ذهب بصرها، وكانت إذا عطشت وطلبت الماء، قلنَ لها متهكمات: (الماء أمامك فابحثي عنه)، فكانت تتعثر، ولما طال عليها العذاب قالت لها سيدتها: إن كان ما تؤمنين به حقاً فادعيه يرد عليك بصرك، فدعت ربَها فرد عليها بصرها، أما سيدتها التي كانت تعذبها، فقد لاقت شيئاً من جزائها في الدنيا، فإنها أُصِيبَت بوجعٍ شديدٍ في الرأس، وكان لا يهدأ إلا إذا ضُرِبَت على رأسها، فظل الجواري يضربنها على رأسها كي يهدأ الوجع حتى ذهب بصرها، فالجزاء من جنس العمل.أما النمرود بن كنعان الذي قال: أنا أُحيي وأُمِيت.. وظل مئات السنين يقول للناس: أنا ربكم الأعلى.. ويتكبر عليهم، سلَطَ الله عليه بعوضةً دخلت في أنفه، ثم تسللت إلى دماغه فسببت له وجعاً، وكان لا يشعر براحةٍ إلا إذا ضربه من حوله بالنعال والمطارق على رأسه..أخيراً، في التسامح واحترام الصغير وتوقير الكبير تحضرني قصة لرجُلٍ كبير، كان على سرير المرض فى المستشفى، وكان يزوره شابٌ في كل يوم، ويجلس معه بعض الوقت ويساعده على أكل طعامه وغسل يديه، ويأخذهُ في جولةٍ بحديقة المستشفى، ويساعدهُ على الاستلقاء، ثم يرجع بعد أن يطمئن عليه، دخلت عليه المُمرضة في أحد الأيام لتعطيه الدواء وتتفقد أحواله، فقالت له: ماشاء الله، الله يحفظ لك ابنك، فهو يزورك كل يوم باستمرار.. نظر إليها ولم ينطق بكلمة وأغمض عينيهِ وقال لها: تمنيتُ لو كان أحد أبنائي، فهذا يتيم من الحي الذي كنا نسكن فيه، رأيتُه ذات مرة يبكي عند باب المسجد، بعدما توفي والدُهُ، فأسكتُهُ وهدأته واشتريت له الحلوى، ولم أحدثه منذ ذلك الوقت وعندما علم بوحدتي أنا وزوجتي، أصبح يزورني كل يوم ليتفقد أحوالنا حتى ضعف جسدي، فأخذ زوجتي إلى منزله وجاء بي إلى المستشفى للعلاج، وعندما كنت أسأله: لماذا يا ولدي تتكبد هذا العناء معنا؟ ولأنَ الجميل لا يضيع أبداً، تبَسَمَ الشابُ في وجهي، ثم قال: "ما زال طعم الحلوى في فمي".