13 يناير 2026

تسجيل

وعدك لي سلب مني قوتي

21 أكتوبر 2015

كثيرٌ منا يوعد أحداً فيخلف وعده سواء أن كان ذلك عن قصد أو بدون قصد، وحين نخلف وعداً مع شخصٍ ما، نكون في هذه الحالة قد خدعانه خصوصاً إذا بنى عليه ذلك الشخص موقفاً خاصاً به، وبقى ينتظر طويلاً ويبني آمالاً، وأخيراً نخيب أمله فينقطع عنه الرجاء ويصاب بإحباط وخيبة أمل، وهذه المواقف قد تحصل أحياناً وهي كفيلة باسقاط جميع الأقنعة أمامه، فكيف لنا أن نوعد ونخلف بكل سهولة وبساطة دون أن نولي للآخرين اهتماماً؟ وقد نكذب نحن الكبار على صغارنا ونعطيهم وعوداً لا ننفذها لهم، فيغضبون، ويشب الصغير على ذات الخصال، وقد لا يفي بالوعد هو الآخر عندما يغدو كبيراً، فلنصدقهم القول وننفذ لهم ما نقوله منذ نعومة أظفارهم حتى ينشأ الطفل صادقاً على نهج قدوته. فلنكن صادقين في مجتمعاتنا حين نوعد أحداً، فمن الأمور العظيمة التي انتشرت في هذه الأيام هو عدم الإلتزام بالوعود، وهو خُلُقٌ يجب أن يبتعد عنه المؤمن ويترفع عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم أوضح لنا فقال عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان). وما نلاحظه الآن في مجتمعاتنا أن الوفاء بالوعد أصبح من الأمور التي يتساهل فيها الناس كثيراً، حيث يقول البعض ان هذا الأمر عادي ممكن أن ننفذ وعدنا في مرةٍ أخرى وغداً لناظره قريب أو (بكرة أحلى) دون أن يخطر الطرف الآخر بسبب التأخير أو تأجيل الوعد، والوفاء بالوعد من صفات الكرام وأصحاب المروءة، حيث قال الأصمعي فيه بوصف أعرابي قوماً، فقال: أولئك قوم أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم، فقالت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، والوفاء من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، وهو صفة من صفات النفوس الشريفة، يعظم في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون، وقد قيل: إن الوعد وجه، والإنجاز محاسنه، والوعد سحابة والإنجاز مطره.يقول الله عز وجل في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، فالوفاء من أعظم الصفات الإنسانية، فمن فُقِدَت فيه هذه الخصلة، فقد انسلخ عن إنسانيته.والناس مضطرون إلى التعاون، ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء به، ولولا ذلك لتنافرت القلوب، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيًّا حتى مع الكفار، إن الوفاء بالعهود من أعظم أخلاق أهل الإيمان، والوفيَّ يحفظ الجميل ولا ينساه ولو بعد عشرات السنين.وتحضرني قصة أنَ ملكاً كان راجعاً إلى قصره في ليلةٍ شديدة البرودة، فرأى حارساً عجوزاً واقفاً بملابس رقيقة لا تقيه قسوة البرد، فاقترب منه الملك وسأله: ألا تشعر بالبرد؟ فرد الحارس قائلاً: بلى أشعر بالبرد ولكنني لا أملك لباساً دافئاً ولا مناص لي من تحمل البرد، فقال له الملك: سأدخل القصر الآن وأطلب من أحد خدمي أن يأتيك بلباسٍ دافيء، فرح الحارس بوعد الملك، ولكن المفاجأة ما أن دخل الملك قصره حتى نسي وعده، وفي الصباح كان الحارس العجوز قد فارق الحياة وإلى جانبه ورقة كتب عليها بخطٍ مرتجف: (أيها الملك، كنت أتحمل البرد في كل ليلة صامداً، ولكن وعدك لي بالملابس الدافئة سلب مني قوتي وقتلني).والعبرة هنا وعودك للآخرين قد تعني لهم أكثر مما تتصور، فلا تخلف وعداً، فأنت لا تدري ما تهدم بذلك.