13 يناير 2026
تسجيلكم شدني مطلع فقرة للكاتبة مها نور في (العقوق الصامت) حين كتبت: كم من أبٍ عجوز أو أمٍ عجوز لا يزالون يخدمون أبناءَهم وهم في قمة النضوج! يخدمونهم دون ضيق أو كلل أو ملل، فكان الأجدر أن يكون العكس، هذه صورة من العقوق الصامت الذي قد يكون أكثر إيلاماً من صور العقوق الصريحة.فمن البر بأمهاتنا أن لا نستغل عواطفهنَ في خدمتنا، ومن البر بأمهاتنا أن لا نخبرهنَ بكل صغيرة وكبيرة تكدر خواطرنا، لأن تلك الصغائر ما هي إلا هموم تتراكم في قلوب الأمهات مسببة لهنَ من القلق والألم النفسي والجسدي ما لا يمكن أن يتصوره الشباب، فالأم والأب عند كبرهما يصبحان في غاية الرقة والحساسية، تجرحهما كلمة وتُؤلمهما معصية، وأشد ما يؤلمها هو رؤية أحد الأبناء في مشكلة أو تعب، فهناك مشاكل يمكننا حلها بأنفسنا، وهناك ثرثرة وشكاوى فارغة نستطيع أن نبقيها لأنفسنا أو لأصدقائنا بِراً بأمهاتنا وآبائنا ورحمة بهما، فلنكن ناضجين في السعي وراء الطموحات.إذن لنريحهما كما خدمونا وتحملونا في طفولتنا المزعجة ومراهقتنا الثائرة، ولنتحمل من أجلهما كما تحملُوا على أنفسهم كثيراً.أعمالنا أعمارنا والموت فيها القافية، فكل يومٍ مضى جزءٌ من العمرٍ، وكل يوم يمر هو من أعمارنا المتناقصة، والصفحة عندما تنطوي لا تعود أبداً، تمر الساعات على جميع البشر بكل عدالة، لا تفرق بين جنس أو لون أو دولة، فالبعض يعتبرها فرصة والبعض الآخر يعتبرها يوما عابرا والسلام، فمع إشراقة شمس كل صباح ينطلق سباق التنافس في جميع الأرجاء، والكل يتنافس على أن يكون صاحب السبق، فالبعض في القمة والبعض في القاع وبعضٌ آخر خارج الخريطة أصلاً، تُوَزَع الأرزاق في البكور وتحل البركة، ولكنها لا تأتي لمن يطلقون الأماني من أسِرَة نومهم أو يلهثون بالدعاء وهم لا يفعلون الأسباب، يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرصة لصحابي حين اشترى له فأساً وقال له: اذهب واحتطب.. ويعود بعدها غنياً عن سؤال الناس، فالسر في إدارة الفرصة، بينما الإنسان هو الإنسان، فالبعض أمام الفرصة أعمى لا يرى والبعض لا يتحرك، وبعضٌ آخر قناص يتمتع بعين الصقر الناظر للأفق العالي البعيد، فالناس تتفاوت في المراتب والمنازل بتفاوت الهمم والرغبات والطموحات والقدرات، ويتفاوت الناس على حسب تعاملهم مع فرص الحياة، والقرآن هنا يجاوب السؤال لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر، وهذا يتطلب منا وضع نظارة اكتشاف الفرص أو صناعتها أحياناً، فهل فكرنا في أثر تفريطنا بهذه الفرص التي لا تعود؟ تأتي الفرصة مرة واحدة متنكرة أحياناً في ثوب أزمة أو تحدٍ، وتقدح أحياناً عبر فكرة ابداعية خلاقة تلهمنا جميعاً وتصنع الفرق، فالفرصة تطرق أبواب الجميع، لكن البعض قد يكون مستعدا لاستقبالها والبعض الآخر قد لا يكون كذلك، والفرصة هنا لا تموت، بل تذهب إلى المبادر والمتأهب، فهناك معاق مكابِد، وقد يكون طفلا مكافحا يسرق الدقائق ويصنع فرصته ليكمل تعليمه، وقد يكون شخصا أعمى يجعل من الإيمان والعلم فرصته لينال النور والبصيرة، فحياتنا الآن هي فرصة حُرِمَ منها الكثيرون وهم تحت الأرض بلا فرصة للعودة للحياة ومعاودة الركب في الميدان، فعندما أمشي بين القبور أسأل نفسي سؤالاً يخرج من أعماقي، ماذا لو خرج الأموات ليأخذوا فرصة نأخذها نحن في كل يوم بمنتهى الأريحية؟ بالتأكيد ستكون أعظم فرصة، ولكن هيهات فخُلِقنَا لنعمل ولم نُخلَق لنتمنى.