13 يناير 2026

تسجيل

حتى لا ينعدم الوفاء بين الناس

11 مارس 2015

البعض من الناس يغضب مع الآخرين، وبعض آخر يسامح وهذا النوع من النفر الكريم هم أصحاب البصمة المميزة التي تبقى وإن غاب صاحبها، فأرقى النفوس هي التي تجرعت الألم فتجنبت أن تذيق الآخرين مرارته، ولنرتقٍ بكلماتنا، ولا نرفع أصواتنا، فالأمطار هي التي تُنبِتُ الزهور لا الرعد، والدنيا رخيصة وكلنا قد يمتلكها غني وفقير وملك ووزير، ولكن الجنة غالية إن لم تملكها بصالح عملك، فلن تملكها بمالك وسلطانك. كان لأبي حنيفة جار يشرب الخمر ويغني دائماً ويقول: (أضاعوني وأي فتىً أضاعوا) إلى أن يأخذه الليل فينام، ويردد هذه الأغنية باستمرار، وكان ذلك يزعج أبا حنيفة في كل ليلة ويمنعه النوم، وفي ذات يوم رجع أبو حنيفة إلى بيته كالعادة ولم يسمع صوت جاره،فسأل عنه وقال له أهله: لقد ارتحنا منه، فالرجل عليه دين وتم سجنه بسبب دينه، فقام أبوحنيفة من فراشه ليخرجه من السجن بحكم علاقة الجوار، ثم خرج إلى صاحب الدين وسدد دينه، وذهب إلى السجن وأخرجه، فأمسك أبوحنيفة بيد جاره وهو يمشي به إلى بيته، وقال له: هل أضعناك نحن؟ فقال له: لا، بل حفظت ورعيت الجوار، ثم تاب الرجل وصار من تلاميذ أبي حنيفة ومن الذين لا يفارقونه أبداً، وهذا كله بمجرد دراهم معدودة، فالإسلام أمر بالإحسان حتى لغير المسلم، إذن نتيجة صبر أبي حنيفة على جاره والإحسان إليه جعله لا يفارقه، فقمة الصبر أن تسكت وفي قلبك جرحٌ يتكلم.أيضاً تحضرني قصة اليهودي جار الرسول صلى الله عليه وسلم حين كان يرمي الشوك والقاذورات عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وزاره عندما لم يجد الأوساخ عند بيته، فبكى اليهودي بكاءً شديداً من طيب أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فنطق بالشهادتين ودخل الإسلام، فماذا نحن فاعلون عندما تحل بنا المصائب ويشتد بنا الغضب؟ إذن لنتحلى بالأخلاق النبيلة والسلوك القويم ولنحسن التعامل مع الآخرين، ولنكن كالنخلة التي يرميها الناس بالحجارة فترمي أطيبَ الثمرِ، ومن أجمل ما قرأت، قال غاندي: (رماني الناس بالحجارة فجمعتها وبنيت بيتاً).أخيراً يُحكى أن فارساً عربياً كان في الصحراء على فرس له، فوجد رجلاً تائهاً يعاني من العطش، فطلب الرجل من الفارس أن يسقيه الماء، فقام بذلك، صمت الرجل قليلا، فشعر الفارس أنه يخجل بأن يطلب الركوب معه، فقال له الفارس: هل تركب معي أوصلك إلى حيث تُريد؟ فقال الرجل: أنت رجلٌ كريم حقاً، شكراً لك، كنت أود طلب ذلك لكن خجلي منعني،ابتسم الفارس، فحاول الرجل الصعود لكنه لم يستطع وقال: أنا لست بفارس، فأنا فلاح لم أعتد ركوب الفرس، اضطر الفارس الى أن ينزل كي يستطيع مساعدة الرجل على ركوب الفرس، وما ان صعد الرجل على الفرس حتى ضرب الفرس وهرب بها كأنه فارس محترف، أيقن الفارس أنه تعرض لعملية سطو وسرقة، فصرخ بذلك الرجل، اسمعني يا هذا، اسمعني فقال له من بعيد، ما بك؟ فقال الفارس: لا تخبر أحداً بأن ضحكت علي، وأخذت فرسي، فقال له اللص: ولماذا؟ أتخاف على سمعتك؟فرد الفارس: لا، ولكنني أخشى أن ينقطع الخير ويضيع المعروف بين الناس فالخير والنخوة شيمة الفرسان، وأخاف ألا يقدم أحد بمجرد معرفته بهذه القصة.