13 يناير 2026
تسجيللقد مضى من شهر رمضان الكريم ثُلثاه، وأرواح المؤمنين تخفق إيماناً وخشوعاً، ورمضان شهر العتق من النار، تجري أيام رمضان وتمر كالسحاب وتلتهم الساعات والثواني خصوصاً في العشر الأواخر منه، فكيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف في العشر الأواخر؟ كان يسعى لإحيائها ويُوقِظ أهله طلباً في ليلة القدر بالتهجد من الليل، يتطيب ويغتسل ويُشرع في أخذ زينته بأحسن الثياب في سائر صلواته لإحياء العشر الأواخر، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، وليلة القدر لؤلؤة الليالي العشر، وغداً تُوفَى النفوس بما كسبت، ويحصد الزارعون ما زرعوا، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساءوا فبئس ما صنعوا.ومن أسباب المغفرة الذكر والاستغفار والإحسان إلى الفقراء والمساكين، فنحن نعيش في عالم قد يمشي الفقير أميالاً ليحصل على الطعام، بينما يمشي الغني أميالاً ليهضم الطعام، وأما الاستغفار فهو أعظم أسباب المغفرة، وشهر رمضان قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا القليل، فلنختمه بالحسنى ولنستودعه بأعمالٍ صالحة تشهد لنا في يوم القيامة، فكل يوم يمضي لن يعود أبداً.إذن لنغتنم الفرصة في رمضان حتى يقبلنا الله القبول الحسن، وأن كل لحظة تمضي محسوبة من أعمارنا ومرصودة في صحيفة الحسنات أم السيئات، ونحن لا ندري هل نُدرك هذه العشرة الأواخر مرةً أخرى، أم يحولُ بيننا وبينها الموت؟ومن فضائل ليلة القدر، أنها ليلة مباركة أنزل الله فيها القرآن الكريم، وفيها غفران الذنوب، فما زالت الفرصة مفتوحة ليستدرك المتخلف ويستيقظ الغافل ليختم هذه العشرة الأواخر بتلاوة القرآن وإحياء سنة الاعتكاف وزيادة الصدقات وإطعام الطعام، وزكاة الفطر التي هي طهرة للصائم وطعمة للمساكين، كما أن لها وظيفة أخرى ذكرها بعض العلماء المتقدمين فقالوا: صدقة الفطر كسجدتي السهو للصلاة، فهي تجبر الصيام وتكمل النقص فيه، تماماً كما تفعل سجدتا السهو بالنسبة للصلاة، ولقد برز ذلك جليَاً في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم مع أفراد أسرته وعند إقبال العشر الأواخر من رمضان واستعداده لها، وتحري ليلة القدر، والسائد عند البعض إن لم يكن الأغلبية، ترك الأهل والأولاد في نومهم في رمضان وغير رمضان دون صلاة أو قراءة قرآن، فيمضي عنهم الوقت وهم نيام، إلاَ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُوقِظَ أهله، ليس في العشر الأواخر، بل في سائر أيام السنة، أما في العبادة، فيمكننا تعطير الأسحار بالمناجاة والدعاء والاستغفار، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فرياح الأسحار تحمل أنين المذنبين وأنفاس المحبين وقصص التائبين، ثم تعود برد الجواب بلا كتاب.كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس في رمضان، ونعلم أن ممن يظلهم الله تعالى بظله يوم القيامة، متصدق تصدَّق بصدقته فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه. والصدقة وإن كانت يسيرة إلا أنها بين يدي الله تعالى عظيمة، فلا تبخل بشيءٍ من العطاء، وهناك ملَكٌ يدعو صباح كل يومٍ جديد بقوله: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من فطَر صائماً، كان له مثل أجره، وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله: لئن كانت الرحمة بالبهائم تغفر ذنوب البغايا فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب، وأولى الصدقات نبذ التفرقة، وترك الخصام.