13 يناير 2026

تسجيل

لنُصلِح عيوبَنا قبل أن ننتقد الآخرين

04 مارس 2015

تعكس المرآة وجوه البشر ولكنها لا تعكس ما بداخل البشر من تصرفات وسلوكيات قد تختلف تماماً عما نراه على الوجوه، أحياناً ننتقد الآخرين ونتكلم عنهم، ولكننا لا نحبهم أن ينتقدونا، علماً بأننا مقتنعون تماماً بأن ما يُقال عنا من نقدٍ هو صحيح، إلا أننا لا نحب أن نسمعه من شخصٍ آخر ولا نريد أحدا أن ينتقدنا، فلكل إنسان عيوب وليس المشكلة في النقد في حد ذاته، ولكن المشكلة في تقبلنا للنقد نفسه، فالكمال لله وحده ولكلٍ عيوبه، ولا غضاضة من تقبل الآخرين حين ينتقدوننا ويوجهوننا ويرشدوننا إلى الصواب، حتماً سننتفع منهم بالجلوس معهم والاستماع إليهم، فقد ننتقد القول ولكن علينا باحترام القائل، بمعنى آخر لنكره الخطأ ولكننا لا نكره المخطئ، فالعقول العظيمة تناقش الأفكار، والاختلاف لا يفسد للودِ قضية، ولأن الكلمة الطيبة جوهرٌ ثمينٌ تكسبنا سحر العقول بحسن الأخلاق، فعلينا أن نحلي ألسنتنا بالكلام الطيب حتى نؤثر في الآخرين، إذن لنطهر قلوبنا لنشر الطيب في نفوس من نقابله، وفي كثير من الأحيان يكون من يقدم لنا نصيحة أو وجهة نظر هو على حق، ولكننا ننتقده ونستنكر ما يقوله برغم أنه على صواب، والسبب هو أنَ أخطاءَنا هي التي تُرِينا أن أعمال الآخرين خطأ، فلماذا لا نُصلح عيوبنا أولاً قبل أن نتحدث عن الآخرين؟ فلنا عورات وللناس ألسن، لكن في المقابل ما نراه مناسباً قد يراه شخصٌ آخر بأنه غير مناسب، وما نراه سوياً قد يكون غير سوي مع غيرنا، فحين استدعى بعض الخلفاء شعراء مصر، صادفهم شاعرٌ فقير رث الثياب بيده جرة وكان ذاهباً إلى البحر ليملأها ماء، ولكنه غير مساره ودخل معهم إلى الخليفة، كان الخليفة لَمَاحَاً عندما رأى الجرة على كتف الفقير، ولما سأله قال له الفقير: رأيت القوم شدوا رحالهم إلى بحرك الطامي، فأتيتُ بجرتي، فأمر الخليفة بملئِها له ذهباً، تضايق الحاضرون وقالوا له كيف تعطيه وهذا رجل فقير مجنون قد يتلف هذا المال ويضيعه؟ فقال لهم الخليفة: هو ماله يفعل به كيف يشاء، لكنه بعد خروجه قام بتوزيع كل الذهب للفقراء، ولما علم الخليفة بذلك استدعاه وسأله، فقال له الفقير: يجودُ علينا الأكرمون بمالهم ونحن بمال الأكرمين نجودُ، هذه الكلمات أثارت إعجاب الخليفة بالرجل الفقير، فأمر بملء الجرة له عشرات المرات، فهنا نظر الحضور من الضيوف والشعراء لهذا الفقير بالدونية، غير أن الخليفة كانت نظرته بعيدة وينظر بنظرةٍ فاحصة، فاكتشف هذا الفقير الذي يُؤثِر على نفسه ويجود بما عنده ولو كان قليلاً.وهنا تحضرني قصة الرجل الذي انتقل هو وزوجته إلى منزلٍ جديد، وفي صبيحة اليوم الأول وبينما هما يتناولان وجبة الإفطار، قالت زوجته مشيرة من خلف زجاج النافذة المطلة على الحديقة المشتركة بينهما وبين الجيران، انظر يا عزيزي إن غسيل جارتنا ليس نظيفاً، لابد أنها تشتري مسحوق الصابون الرخيص، واستمرت الزوجة على إلقاء نفس التعليق في كل مرة ترى جارتها تنشر الغسيل، وبعد مرور الأيام، اندهشت الزوجة عندما رأت الغسيل نظيفاً على حبال جارتها، فقالت لزوجها: انظر لقد تعلمت جارتنا أخيراً كيف تغسل الملابس، فأجابها الزوج: عزيزتي لقد نهضتُ مبكراً هذا الصباح ونظفتُ زجاج النافذة التي تنظرين منها، فمن راقب الناس مات هماً، والعبرة هنا أنه قد تكون أخطاؤنا هي التي تُرِينا أعمال غيرنا خطأ، فلنصلح عيوبَنا وأخطاءَنا قبل أن ننتقد الآخرين.