12 يناير 2026

تسجيل

الفاتيكان.. محاولة للعلاقات العامة

03 ديسمبر 2017

بلغ دلال حكومة ميانمار شأوا عظيما، ليس لأنها حظية بزيارة بابا الفاتيكان الذي يرأس (1.2) مليار نسمة ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية الأسبوع الماضي. ولكن لأن البابا عمل ألف حساب حتى لا يكسر بخاطرها ويسمي الأشياء بأسمائها.. البابا خضع لتحذير مساعديه من قول كلمة "روهينغا" رغم أنه (خليفة الله في الأرض) حسب العقيدة الكاثوليكية، وذلك حتى لا تغضب حكومة ميانمار ذات الأغلبية البوذية.. ولا تعترف ميانمار بشعب الروهينغا المسلم الأكثر عرضة للاضطهاد حول العالم كمواطنين، وترفض استخدام كلمة الروهينغا. وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية نقلت وسائل الإعلام الدولية مأساة شعب الروهينغا واعتبرت الأمم المتحدة القمع والتشريد الممنهجين ضد أكثر من 600 ألف روهنغي حالة مطابقة تمامًا لتعريف التطهير العرقي، فضلا عن أنهم يعيشون من دون أبسط الحقوق الأساسية في بلد يمارس العنصرية على الملأ في القرن الحادي وعشرين. وأكدت منظمة العفو الدولية، الروهينغا ضحايا سياسة فصل عنصري في سجن مكشوف. ويقوم جيش ميانمار مدعوما بميليشيات بوذية بحملة عسكرية تضمنت أعمال اغتصاب وقتل وحرق ضد الروهينغا. وعندما استنكر المستنكرون على البابا الذي تعشّم فيه البعض خيرا، وسط صمت مخجل من المجتمع الدولي وحتى من دول إسلامية كبرى، برز المتحدث باسمه مبررا عدم تحدث البابا صراحة عن أزمة الروهينغا خلال زيارته هذه قائلا: "إنه لا يستطيع أن يحل مشاكل مستحيلة". بيد أن أحدا لم يطلب منه تحريك جيشا لتأديب حكومة ميانمار حتى ينظر إلى الأمر بأنه مستحيل.. كل ما كان يؤمل فيه استخدام سلطته المعنوية عبر إظهاره استنكاره الواضح لما حدث وتسمية الأشياء بأسمائها. ولم يميز البابا نفسه رغم سلطته المعنوية عن المجتمع الدولي إذ حذا حذوه، وهذا ما قاله ديفيد بولوك، الباحث في حقوق الإنسان، لصحيفة "الغارديان" البريطانية الذي أشار إلى أن المجتمع الدولي لسنوات طويلة تجنب ذكر الروهينغا تجنبا لإغضاب حكومة ميانمار. أقصى ما فعله البابا هو لقاء مختصر بمجموعة صغيرة من لاجئي الروهينغا الذين أتوا من مخيم كبير للاجئين في بنغلاديش المجاورة إبان زيارته لها قادما من ميانمار. وفي بنغلاديش التزم بعدم ذكر عبارة الروهينغا مستخدمًا عبارة "اللاجئين الوافدين بكثافة من غرب ميانمار". وحظيت أونغ سان زعيمة ميانمار ذات السمعة السيئة باحترام وتقدير البابا رغم أن مجلس أكسفورد البلدي في بريطانيا كان قد أصدر في يوليو الماضي قرارا غير مسبوق بحق سو تشي بسحب التكريم الأعلى في المدينة بسبب عدم تحركها أمام قمع الروهينغا. وكانت سو تشي قد منحت وسام حرية المدينة في 1997، حيث اعتبرت أنها تجسد قيم التسامح العالمية التي تتبناها أكسفورد. قطعا لم تكن زيارة البابا إلى كل من ميانمار وبنغلاديش أكثر من كونها نوعا من ممارسة العلاقات العامة، لكن حتى هذه المحاولة كانت فاشلة لأنها قفزت فوق حقائق شاخصة. ولا ينفصل موقف البابا الباهت عن المشاكل التي تعصف بدولة الفاتيكان، وهي دولة دينية ذات طبيعة خاصة، لكن هناك خلاف فكري في أعلى هرم الكنيسة، مما أدى إلى استقالة البابا السابق بينديكت السادس عشر هي الأولى منذ نحو سبعمائة عام، بعد (8) سنوات من تنصيبه.. وكان البابا بينديكت قد قام في 2010 بزيارة رسمية وصفت بالتاريخية إلى المملكة المتحدة، ودعا في تلك الزيارة إلى العودة إلى القيم الدينية، مرسلا بذلك رسالة ضمنية مفادها أن العلمانية هي المسؤولة عما اعتبره المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية التي يعانيها المجتمع الغربي. لقد تعرّضت العلاقة مع المسلمين في عهد البابا المستقيل إلى هزة كبيرة، ففي اليوم التالي للذكرى الخامسة لهجمات 11 سبتمبر 2001 نبش بينديكت في كتب التاريخ ليقتبس في محاضرة بجامعة ريجينسبورج الألمانية انتقادا للإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم على لسان الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني "باليولوجوس" في القرن الرابع عشر الذي كتب يقول: (إن كل ما جلبه النبي محمد كان شرًا وغير إنساني مثل أمره بنشر الدين الذي يدعو إليه بحد السيف)!! صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية وصفت حينها خطاب البابا بأنه مفجع وخطير.